محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )
24
جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب
الحمامة ، ولا أنس إلّا الانفراد ، ولا تبلّغ إلّا بفضيلة الزاد ، والأدب بها أقل من الوفاء ، حامله أضيع من قمر الشتاء ، وقيمة كل أحد ماله ، وأسوة كل بلد جهاله ، حسب المرء أن يسلم وفره ، وإن ثلم قدره ، وأن تكثر فضته وذهبه ، وإن قل دينه وحسبه » . وعلى ما يذكره الباحث محمد عبد الله عنان - رحمه الله - حول ملوك الطوائف « 1 » أنهم كانوا أسوأ قدوة ، ضعافا في وطنيتهم ، ودينهم غلبت عليهم الأثرة والأهواء الشخصية إلى أبعد الحدود ونسوا في غمارها وطنهم ودينهم بل حتى اعتبارات الكرامة الشخصيّة ، وانتهوا إلى درك يستحق أن يوصف بأقسى النعوت خاصة إزاء نكبة طليطلة ، وتخاذلهم جميعا عن إنجادها ، وقت أن حاصرها ملك قشتالة ، وأخذها ، وكان يعاملهم معاملة الأتباع ، ويبتزّ منهم أموالهم الطائلة ، ويعامل رسلهم وسفراءهم معاملة الخدم ، يقول ابن حزم ( ت 456 ه - 1064 م ) فيلسوف عصره المتزن ، البعيد النظر ، النافذ الملاحظة عن ملوك الطوائف « 2 » : « وذلك لو علموا أن في عبادة الصّلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها ، فنحن نراهم يستمدون النصارى ، فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم ، يحملونهم أسارى إلى بلادهم ، وربما يحمونهم عن حريم الأرض وحشرهم معهم آمنين ، وربما أعطوهم المدن والقلاع فأخلوها من الإسلام ، وعمروها بالنواقيس لعن الله جميعهم ، وسلّط عليهم سيفا من سيوفه » . هذه شهادة شاهد على حوادث عصره ، تعتبر كلمته ، وأحكامه لا تقبل الجدل . وعلى الرغم من هذا الانحطاط السياسي المشين ، والهوان والذّل فقد لمعت أسماء جمهرة ضخمة من العلماء الرّاسخين في سماء هذا العصر وما تلاه ، والشعراء الأدباء والكتاب والأطباء والصيادلة والفلكيين والرياضيين والفلاحين والمفسرين والمحدّثين
--> ( 1 ) انظر : نفح الطيب 1 / 438 - 442 ، ودول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي ص 422 - 443 . ( 2 ) نفسه ، ن . ص .